ابراهيم بن عمر البقاعي

452

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان التعبير ب « إنما » يدل بختم الجزاء على هذا الوجه ، استثنى من المعاقبين هذه العقوبة بقوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا أي رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفا من اللّه تعالى ، ولذا قال : مِنْ قَبْلِ وأثبت الجار إشارة إلى القبول وإن طال زمن المعصية وقصر زمن التوبة أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ أي فإن تحتم الجزاء المذكور يسقط ، فلا يجازون على ما يتعلق بحقوق الآدمي إلّا إذا طلب صاحب الحق ، فإن عفا كان له ذلك ، وأما حق اللّه تعالى فإنه يسقط ، وإلى هذا الإشارة أيضا بقوله تعالى : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أي على ما له من صفات العظمة غَفُورٌ رَحِيمٌ * أي صفته ذلك أزلا وأبدا ، فهو يفعل منه ما يشاء لمن يشاء ، وأفهمت الآية أن التوبة بعد القدرة لا تسقط شيئا من الحدود . ولما ذكر تعالى حكمهم عند التوبة ، وختم الآية بما يناسب من الغفران والرحمة ، وكان ذلك ربما كان جزاء من لم يرسخ قدمه في الدين على جنابه المتعالي ، أتبع ذلك الأمر بالتقوى وجهاد كل من أفسد بقطع الطريق أو الكفر أو غيره فقال على وجه الاستنتاج مما قبله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي وجد منهم الإقرار بالإيمان اتَّقُوا اللَّهَ أي اجعلوا بينكم وبين ما سمعتم من وعيده للمفسدين وقاية تصديقا لما أقررتم به ، لما له سبحانه من العظمة التي هي جديرة بأن تخشى وترجى لجمعها الجلال والإكرام . ولما كانت مجامع التكليف منحصرة في تخلّ من فضائح المنهيات وتحلّ بملابس المأمورات ، وقدم الأول لأنه من درء المفاسد ، أتبعه الثاني فقال : وَابْتَغُوا أي اطلبوا طلبا شديدا إِلَيْهِ أي خاصة الْوَسِيلَةَ أي التقريب بكل ما يوصل إليه من طاعته ، ولا تيأسوا وإن عظمت ذنوبكم لأنه غفور رحيم . ولما كان سبحانه قد قدم أوامر ونواهي ، وكان الاستقراء قد أبان الناس عند الأمر والنهي بين مقبل ومعرض ، وكان قد أمر المقبل بجهاد المعرض ، وكان للجهاد - بما له من عظيم النفع وفيه من المشقة - مزيد خصوصية ، أفرد بالذكر تأكيدا لما مضى منه وإعلاما بأنه للعاصي مطلقا سواء كان بالكفر أو بغيره فقال : وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ أي لتكون كلمته هي العليا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * أي لتكون حالكم حال من يرجى نيله لكل ما يطلبه ، وهذا شامل لكل أمر بمعروف ونهي عن منكر في أعلى درجاته وأدناها . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 36 إلى 39 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 36 ) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 37 ) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 )